الشنقيطي
164
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً ( 20 ) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ( 21 ) [ النساء : 20 - 21 ] . وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة ؛ وذلك في قوله : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( 4 ) [ النساء : 4 ] . وأشار إلى ذلك بقوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ [ النساء : 24 ] . تنبيه : أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا ؛ لأن اللّه تعالى قال : الطَّلاقُ مَرَّتانِ [ البقرة : 229 ] ثم ذكر الخلع بقوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [ البقرة : 229 ] ؛ فلم يعتبره طلاقا ثالثا ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ [ البقرة : 230 ] الآية . وبهذا قال عكرمة وطاوس وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر ، وهو قول إسحاق بن راهويه ، وأبي ثور وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره ، وهو قول الشافعي في القديم وإحدى الروايتين عن أحمد . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي ؛ لما تقدم مرفوعا إليه صلّى اللّه عليه وسلم من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 229 ] وهو مرسل حسن . قال في فتح الباري : والأخذ بهذا الحديث أولى ، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند صحيح . قال : « إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق اللّه في الثالثة . فإما أن يمسكها فيحسن صحبتها ، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا » . وعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود اللّه ؛ لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة . وقوله فإن طلقها إنما كرره ؛ ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة ، الذي هو قوله : فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ [ البقرة : 230 ] الآية . ولو فرعنا على أن قوله تعالى : أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [ البقرة : 229 ] يراد به عدم الرجعة ، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ [ البقرة : 230 ] الآية . لم يلزم من ذلك أيضا عدم عدّ الخلع طلاقا ؛ لأن اللّه تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج . فاستثنى منه صورة جائزة ، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقا ، كما هو ظاهر من سياق الآية . وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا : مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي في الجديد ، وقد روي نحوه عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عمر ، وبه قال سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، وشريح ، والشعبي ، وإبراهيم ، وجابر بن زيد ، والثوري ، والأوزاعي ،